التحليل الفينومينولوجي للتجربة الجمالية

التحليل الفينومينولوجي للتجربة الجمالية

نعيمة هدية، رسالة ماجستير في الفلسفة، كلية العلوم الإنسانية والعلوم الاجتماعية، جامعة “أبي بكر بلقايد”، تلمسان، الجزائر، تخصص الفلسفة المعاصرة وقضايا المنهج، فبراير 2015.

لطالما كان الموضوع الإستيطيقي في الفلسفة الألمانية موضوعا خصبا للبحث وطريقا لإيجاد العديد من ماهيات الأمور المعرفية. فضلا عن ذلك قد تجلى هذا الأمر كذلك لدى فيلسوف ألماني “إدموند هوسرل” اعتقد أنه لم يتناوله بتاتا ولو بطريقة من الطرق. نظرا لأن معظم الكتابات الفينومينولوجية المترجمة إلى العربية قد اقتصرت على البحث في القصدية والمنهج الفينومينولوجي وطرق التعريف به، الأمر الذي اعترى خصوصية التعريف بهذا الحقل الإستيطيقي لدى هوسرل.

ومن خلال هذا البحث نجد أن هوسرل قد وجه هذا الميدان الخصب إلى اتجاه رأى فيه الصلاح له من خلال التضايف مع المنهج الفينومينولوجي، قصد إنتاج معرفة جديدة لم تكن مدركة من قبل في كلا الحقلين. فضلا عن ذلك اتضح أن الإستيطيقا عند هوسرل عنت له الكثير كونها كانت بوابة نحو الارتقاء الترنسندنتالي بالمعرفة وتوثيقها، وإحدى الطرق والإمكانات الجديرة بتأسيس العلم الشامل وفلسفته الأولى التي كان يطمح لها هوسرل، وكانت هدفه المنشود من وراء تشييد المنهج الفينومينولوجي.

عندما أسس هوسرل لفلسفة فينومينولوجية التي هي في الأصل عنده عبارة عن منهج وموقف من الفكر، تضع نصب عينيها التفكير فيما تكون عليه مقصدية الموضوع لحظة الإدراك. كان يرجو من وراء ذلك التأسيس لعلم شامل، مع محاولة اقتنائه السبل والآليات التي بإمكانها تلخيص العناء الذي من الممكن أن يعتريه في رحلته الفينومينولوجية.

إن هوسرل قد انعطف بتفكيره نوعا ما باتجاه حقل قد اعتقد أنه مكان للجوء وبدء إعادة الهيكلة لبعض المفاهيم التي تدير الفينومينولوجيا وتؤسسها، ناهيك على أن هوسرل لم يغامر ويتوجه صدفة إلى هذا المجال الإستيطيقي بغية المجازفة، لكنه قد وجد فيه ما يُمَكنه من تمتين الأسس الفينومينولوجية وتوسيع حقل البحث المعرفي للفينومينولوجيا، وهذا إن يعني أن هوسرل حاول إرساء مفاهيم الفينومينولوجية على مجالات أخرى قصد الإلمام بالنقائص التي ربما قد تعثر سيره البحثي. إضافة أن الإستيطيقا مع هوسرل أصبحت تولي الإهتمام إلى كل ماهو مرئي بصري.

لنوضح أن كلا من “الفينومينولوجيا والفن لا يلجآن إلى عملية إستدلالية ولا إستقرائية لاستخلاص المعنى أو الماهية إنما يقدمان المعنى بشكل عياني في الفردي أو الجزئي، وكل ما هناك أن الفن يلمح والفينومينولوجيا تصرح”.

إن القصد في الفينومينولوجيا يؤسس موضوعه من مادة معطاة ويضفي عليه الدلالة، لكن النشاط الفني هو نوع من الخلق والتكوين انطلاقا من مادة متاحة.

كما يمكن القول أن العفوية المباشرة التي يتمتع بها الفن وبالخصوص التجربة الجمالية هي التي أدت بـ”هوسرل” إلى التنبؤ من أن الفن هو الميدان الأجدر لتطبيق المنهج الفينومينولوجي على غرار القرابة الوثيقة الموجودة بينهما، فربما تلك الصرامة والدقة التي تتميز بها الفينومينولوجيا من شأنها رسم قالب فينومينولوجي إستيطيقي يصل بالإستيطيقا نحو مبتغاها المنشود في كشف الحقيقة الباطنية المتخفية بطريقة فينومينولوجية، ولعل هوسرل إكتشف أن الإلتقاء بين المجالين الفني الفينومينولوجي سيدفع  بكل منهما إلى توجيه أحدهما للآخر من خلال إستفادة الفينومينولوجيا من عفوية الإستيطيقا وإستفادة هذه الأخيرة من صرامة ومنهجية الفينومينولوجيا، وذلك على غرار تبنيها لطرق الفينومينولوجيا كالقصدية والرد الفينومينولوجي، وللتوضيح فإن هوسرل لا يعتبر نفسه إستيطيقيا وإنما ساهم بنوع من الملاحظات في المجال الإستيطيقي.

والجدير بالذكر كذلك أن هوسرل عندما خاض في المجال الإستيطيقي وكأنه حاول جعل هذا الميدان الأخير حقلا لنشاطات فينومينولوجية، وبالأحرى حقلا يلعب دور المرآة التي تفسر وتعكس الآليات الفينومينولوجية. لكن لا ننسى أيضا أن الإستيطيقا قد تمكنت من التبلورعلى إثر مفاهيم هوسرلية جديدة لم تكن معتمدة في الحقل الإستيطيقي سابقا.

إن كل عمل فينومينولوجي لهوسرل يستند إلى طاقة غير عادية لكشف الامتلاك بواسطة التحييد، فغالبا ما يصر هوسرل على أن الإبوخيه لا يرفض أي مظهر للواقع حتى الوضعية الترنسندنتالية للموضوع، إذ الإبوخيه يكشف  عن البعد الترنسندنتالي المؤسس للواقع بجعل الموقف الطبيعي أعمى. فكل من الفن والفينومينولوجيا يدفعان بالموقف الطبيعي إلى عالم الخبرة ويظهران لنا الأشياء من خلال “كبح ذاتي” يتم فيه تعليق الصورة التي تبدو عليها الأشياء في حياتنا اليومية باعتبارها مرتبطة بإرادتنا أو مصلحتنا. هذه الرؤية ما يعرف في الفينومينولوجيا باسم “الإبوخيه” وفي الفن تحت اسم “عدم الاهتمام”. إن هوسرل من خلال عدة آليات وأمثلة يُظهر لنا التقارب المتشعب بين الحقلين الفينومينولوجي والإستيطيقي.

علاوة على ذلك قد تمكن الحقل الفينومينولوجي من إبراز حلولا كانت تعاني منها الفلسفة كثنائية الذات والموضوع، التي يُرجع هوسرل السبب في ذلك إلى ديكارت. فمن خلال التجربة الفينومينولوجية على الجسد قد برهن لنا هوسرل أن هذه الثنائية تم كسرها، ومن جديد تم الإلمام بالذات والموضوع.

ووفقا لذلك إذا أرادت الفينومينولوجيا أن تصبح حداثية عليها تحقيق ذلك إلزاما عبر الإستيطيقا والفن. ففي إعتبار هوسرل العالم الفني هو تطبيق بسيط عن التغير الخيالي الذي استطاع إعطاءنا مفتاح فك رموز الماهية.

0 responses on "التحليل الفينومينولوجي للتجربة الجمالية"

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

top

جميع الحقوق محفوظة ©2019 أكاديمية العلاقات الدولية

Share This