المواسم الدينية والاقتصاد المحلي في المغرب

إن ظاهرة المواسم ليست بالظاهرة الجديدة على المجتمع المغربي، لكن دراستها كظاهرة سوسيولوجية أمر حديث نسبيا، حيث نلمس الملامح الأولى لدراسة هذه الظاهرة في الأبحاث السوسيولوجيا حول التدين الشعبي، وبالأخص في الإرث الكولونيالي، فقد اهتم ادموند دوتيE.Doutte ، بهذه الظاهرة منذ بحوثه الأولى بالمغرب، إذ كان هو أول من فتح المجال أمام ظهور أبحاث أخرى ذهبت في نفس سياق أبحاثه، تحت إطار نظرية الإسلام الشعبي، وقد استمرت هذه النظرية طيلة فترة السوسيولوجيا الكولونيالية إلى أن ظهرت دراسات جديدة حول ظاهرة التدين الشعبي، والتي لا تضم فقط ظاهرة المواسم، (حيث لم تكن سوى نمط من أنماط هذا الدين)، إن هذه المرحلة الجديدة تتميز بمقاربة مغايرة للتي كانت سائدة، وقد كانت الدراسات الانجلوساكسونية هي المسيطرة في هذه الفترة، على يد مجموعة من الرواد، كان كليفورد غيرتز (C. Geertz) مؤسس الانتروبولوجيا التأويلية أبرزهم، تميزت أبحاث هذا الباحث بتأثرها بالنظرية الفينومينولوجيا، فكانت مقاربته للدين مقاربة يغلب عليها البعد التأويلي. أما في الفترة المعاصرة فقد ظهرت أبحاث جد متطورة وجد متخصصة في هذا الحقل، أسس لها باحثون مغاربة من أمثال: بول باسكون، عبد الله حمودي، عبد الجليل حليم، نور الدين الزاهي، حسن رشيق وغيرهم. لكن رغم الاهتمام بظاهرة المواسم منذ البداية الأولى لملامح تأسيس السوسيولوجيا المغربية، إلا أن هذا الاهتمام كان اهتماما جزئيا فقط، فلم تحظ هذه الظاهرة بما تستحقه في الحقيقة من دراسة، فأغلب الدراسات كانت تشير فقط في محتواها إلى هذه الظاهرة، ولكن لم تكن هناك دراسات معمقة حول هذه الظاهرة.

 وتأتي هذه المحاولة للبحث في جزء من أجزاء هذه الظاهرة الشاملة والكلية بتعبير مارسيل موس M.Mauss، وذلك من خلال البحث في المكون الاقتصادي لهذه الظاهرة، وكذا خلال البحث عن الوظيفة الاقتصادية لهذه الظاهرة، وفي الكيفية التي تحقق بها هذه الوظيفة، إنها إذن دراسة تتأطر في إطار البنائية الوظيفية. وسنحاول من خلال هذا العمل دراسة ظاهرة المواسم الدينية بمنطقة اشتوكة أيت باها إحدى أبرز مناطق سوس، والتي تتميز بحضور كبير لهذه الظاهرة. وقد حاولنا تقسيم محاور هذه الدراسة إلى بابين متتاليين ومتناسقين، كل باب من أبواب الدراسة يتضمن فصولا، بحيث كل فصل يكمل الذي يليه.

اجتهدنا في الباب الأول محاولين تحديد الإطار المنهجي والإطار النظري للدراسة. وسنحاول أن نعرض من خلاله الإطار المنهجي والنظري المتعلق بالجانب المعرفي والتاريخي للظاهرة.

وقد قمنا بتحديد الجانب النظري للدراسة في ثلاثة فصول مختلفة، وذلك من خلال عرض الطرح المنهجي في الفصل الأول والمتمثل في تحديد الموضوع وأهميته وأهدافه، بالإضافة إلى بناء إشكالية الدراسة وتحديد فرضياتها، كما خصصنا كذلك هذا الفصل لعرض مختلف الدراسات السابقة التي لها علاقة بموضوع هذا البحث. أما الفصل الثاني فيتضمن الإطار النظري والمفاهيمي للدراسة، والذي ستمكننا من التأسيس العلمي لهذا الموضوع في الحقل السوسيولوحي. وقد حاولنا في الفصل الثالث الاجتهاد في تحديد مجموعة من الفرضيات التي تبين أصول المواسم، والتي تحاول الربط بين مجموعة من العناصر يمكن أن تساهم في ظهور الموسم بشكله الحالي.

أما الباب الثاني من الدراسة، فقد خصصناه لتناول الشق الميداني للدراسة. وسنعرض من خلال فصله الأول مجال وعينة البحث، أما الفصل الثاني فقد خصصناه لرصد مناهج وأدوات وتقنيات جمع المعطيات، وسنحاول في الفصل الثالث عرض وتحليل ما تم جمعه من المعطيات الميدانية، وذلك عبر ثلاثة محاور: محور الوظيفة الاقتصادية للموسم، ومحور خاص برصد تمثلات التجار والزوار حول الوظيفة الاقتصادية للموسم، وقد اتخذنا من المحور الثالث، محورا لإبراز التداخل بين الاقتصادي/المادي والديني/الرمزي في الموسم. وأخيرا سنختم هذه الدراسة بخلاصة ورصد للنتائج العامة للبحث. 

موضوع البحث

إن بناء موضوع البحث في علم الاجتماع، يتمثل في المرور من الحس المشترك إلى الحس العلمي الاجتماعي، وهذا الأمر لن يتأتى إلا من خلال مرور الباحث في عدة مستويات لكي يتضح له موضوع بحثه أكثر فأكثر، كما أن الباحث لا يمكنه القيام ببحث ناجح؛ “له أهميته النظرية في زيادة المعلومات الأكاديمية لاختصاص معين، من دون تحديد عنوانه وصياغة مجاله وتحديد أبعاده وتثبيت أهدافه وأغراضه الأساسية” . كما أن “أول ما يطبع موضوع الدراسة في بداية الأمر هو غموضه، وتداخل معالمه مع موضوعات أخرى ذات صلة قريبة أو بعيدة منه، هذا بالإضافة إلى حضوره داخل اللغة المشتركة ضمن تعابير ومقولات ملتبسة و أحيانا غير مطابقة لطبيعته وخصائصه وهذا ما يستلزم ضبط معالم الموضوع وحدوده ” . ولذلك سنحاول أولا تحديد موضوع ومجال بحثنا، والذي يتمثل في ظاهرة المواسم الدينية وعلاقتها بالاقتصاد المحلي، أي أننا نسعى إلى الكشف عن تأثير المواسم الدينية على الاقتصاد المحلي للمناطق المدروسة، وفي محاولة تصنيفنا لهذا الموضوع نجده نقطة التقاء بين السوسيولوجية الدينية والسوسيولوجية الاقتصادية، ويمكن كذلك اعتباره موضوع سوسيوانثروبولوجي، لكونه محور التقاء بين ما هو ثقافي وما هو اجتماعي، فإذا كانت المواسم الدينية من جهة، ظاهرة ثقافية ذات جذور تاريخية عميقة، فإنها من جهة ثانية، ظاهرة اجتماعية منتشرة في مجتمعنا الحاضر.

أسباب اختيار الموضوع

على الباحث في علم الاجتماع، أن يفكر في الأسباب التي قادته إلى التوجه نحو هذا الموضوع أو ذاك، “إذ إن تساؤله حول اختيار موضوعه هو في الواقع فعل تباعد أول” ، عن الحس المشترك إلى الحس العلمي الاجتماعي، وهذا بالذات ما دافعنا إلى استحضار أسباب اختيارنا لهذا الموضوع، والتي يمكن أن نميز فيها بين الأسباب الذاتية؛ والمتمثلة في اقتناعنا بأهمية التطرق لموضوع له صلة بمنطقتنا، ومن شأنه أن ينمي ويحسن قدراتنا البحثية الميدانية، خصوصا أن هذا الموضوع سيجعلنا نحتك أكثر بتقنيات سوسيوانثروبولوجية ميدانية. أما الأسباب الموضوعية فتكمن بالأساس، في أهمية المواسم الدينية لدى الحس المشترك بالمنطقة المدروسة خاصة – أي منطقة  اشتوكة أيت باها والتي تشهد تنظيم أزيد من 25 موسما  – وفي المغرب عامة، كما أن دراسة هذه الظاهرة ستمكننا من فهم جانب مهم من آليات اشتغال النسق الديني والاقتصادي والاجتماعي بالمجتمع المبحوث، خصوصا وأن المواسم الدينية من خلال الزيارات والملاحظات الميدانية الأولية، تشهد استقطابا لعدد كبير من الزوار يقاس بعشرات الآلاف، كما تشكل هذه الظاهرة موروثا تاريخيا استطاع مقاومة التغيير الحاصل في المجتمع، ويتجلى هذا الأمر في عودة بعض المواسم التي انقرضت في فترة من الفترات، إلى الساحة المجتمعية بقوة، محتفظة بمكانتها الدينية والاجتماعية والاقتصادية (مثلا موسم “سيدي الحاج امبارك” بإنزكان).

أهمية الموضوع

تتجلى أهمية موضوع بحثنا هذا في عدة مستويات، أهمها، قلة الإرث النظري المنجز حول هذا الموضوع – المواسم الدينية والاقتصاد المحلي –  ولن نبالغ إن قلنا إن هذا الموضوع لم يحصل على ما يستحقه من البحث، رغم وجود دراسات تتناول مواضيع قريبة منه، كموضوع الأضرحة مثلا، وكموضوع “الإسلام الشعبي” الذي هيمن على عدد كبير من الدراسات الانثروبولوجية والسوسيولوجية الأولى بالمغرب، ونجد أن “هذه الدراسات تشير في محتواها إلى ظاهرة المواسم، لكن من دون أن تدرسها دراسة منفردة ودقيقة” ، رغم أهمية هذه الظاهرة لدى الحس المشترك، والتي تتمثل في ذلك العدد الكبير من المواسم التي يحتفل بها في المغرب، حيث تشير بعض الدراسات إلى أن عددها “يتجاوز 753 موسم ديني بالمغرب”  . (أنظر الملحق رقم (3) و(4)) إن الاهتمام بهذه الظاهرة نلمسه كذلك في المؤسسات الرسمية في المجتمع المحلي، كالسلطات المحلية، الإعلام الرسمي والمؤسسات الدينية وغيرها من المؤسسات الأخرى الفاعلة في المجتمع المبحوث، كما أن الاهتمام بهذه الظاهرة من طرف جل هؤلاء الفاعلين، نابع بالأساس من كون “المواسم ظاهرة اجتماعية كلية” ، ترتبط بالأنساق الاجتماعية الأخرى، تتأثر بها وتؤثر فيها، وهنا تكمن الأهمية الكبرى للمواسم، ومن بين الأمور الأخرى التي تظهر أهمية هذا الموضوع، كون الموسم يؤدي وظائف عديدة، حسب زيارتنا الميدانية الأولى، وأبرزها الوظيفة الاقتصادية، وهذا ما يذكرنا بإحدى أهم الدراسات السوسيولوجية الكلاسيكية التي تبرز تأثير ما هو ديني – الأخلاق البروتستانتية – على ما هو اقتصادي – الرأسمالية  –  ، وهذا ما يضفي بدوره هالة من الأهمية على موضوع بحثنا هذا.

أهداف البحث

لكل دراسة أو بحث هدف أو غرض حتى يكون ذا قيمة علمية، والبحث الجيد هو الذي يتجه إلى تحقيق أهداف عامة غير شخصية ذات قيمة ودلالة علمية، لذلك نهدف في هذا البحث بشكل عام إلى التعرف على القيمة المضافة التي يقدمها الموسم الديني للاقتصاد المحلي، وكذا الكشف عن الكيفية التي يؤثر بها النسق الديني على النسق الاقتصادي، كما نسعى كذلك إلى توفير معطيات وأدبيات سوسيولوجية حول الظاهرة، والمساهمة في إثراء الإرث السوسيولوجي والإرث النظري المنجز حول هذه الظاهرة، ونهدف كذلك إلى الكشف عن التغير الاجتماعي والاقتصادي والديني الطارئ في المنطقة المدروسة من خلال تناولنا لهذه الظاهرة، مادامت المواسم الدينية ظاهرة اجتماعية كلية، وفي العموم فإننا نحاول في هذا البحث تحقيق فهم أعمق للأبعاد الاقتصادية للمواسم الدينية وتأثيرها على الاقتصاد المحلي للمناطق المدروسة، وكذا رصد التحولات الطارئة على هذه الأبعاد الاقتصادية.

الإشكالية 

لكل دراسة أو بحث هدف أو غرض حتى يكون ذا قيمة علمية، والبحث الجيد هو الذي يتجه إلى تحقيق أهداف عامة غير شخصية ذات قيمة ودلالة علمية، لذلك نهدف في هذا البحث بشكل عام إلى التعرف على القيمة المضافة التي يقدمها الموسم الديني للاقتصاد المحلي، وكذا الكشف عن الكيفية التي يؤثر بها النسق الديني على النسق الاقتصادي، كما نسعى كذلك إلى توفير معطيات وأدبيات سوسيولوجية حول الظاهرة، والمساهمة في إثراء الإرث السوسيولوجي والإرث النظري المنجز حول هذه الظاهرة، ونهدف كذلك إلى الكشف عن التغير الاجتماعي والاقتصادي والديني الطارئ في المنطقة المدروسة من خلال تناولنا لهذه الظاهرة، مادامت المواسم الدينية ظاهرة اجتماعية كلية، وفي العموم فإننا نحاول في هذا البحث تحقيق فهم أعمق للأبعاد الاقتصادية للمواسم الدينية وتأثيرها على الاقتصاد المحلي للمناطق المدروسة، وكذا رصد التحولات الطارئة على هذه الأبعاد الاقتصادية.

الفرضيات

• ربما تخلق المواسم الدينية بمنطقة  اشتوكة أيت باها دينامية اقتصادية محلية أساسية، تقوم على التداخل بين ما هو ديني/ رمزي واقتصادي/ مادي.

• نتوقع أن تكون تمثلات الزوار والتجار حول الوظيفة الاقتصادية، تمثلات تؤكد على أهمية المواسم الدينية في خلق ديناميكية اقتصادية محلية.

• كلما كان التجار والزوار على دراية بكرامات الولي أو الولية، كلما كان النشاط الاقتصادي في المواسم الدينية بالمنطقة أكثر ديناميكيا.

• نتوقع أن يكون البعد الاقتصادي والاحتفالي في الموسم هو المهيمن على البعد الديني في المجال الحضري، وأن يكون العكس هو الحاصل في المجال القروي.

0 responses on "المواسم الدينية والاقتصاد المحلي في المغرب"

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

top

جميع الحقوق محفوظة ©2019 أكاديمية العلاقات الدولية

Share This