حماية القضاء الجنائي لحقوق الإنسان في الجزائر

بودور مبروك

بيانات الأطروحة:

بودور مبروك، رسالة مقدمة لنيل درجة دكتوراه العلوم في القانون، فرع القانون العام، الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، وزارة التعليم العالي و البحث العلمي، جامعة الإخوة منتوري قسنطينة، كلية الحقوق، السنة الجامعية: 2014/2015

موضوع حقوق الإنسان و حرياته الأساسية متعدد و متشعب الأوجه، لا يمكن تناوله بعيدا عن فروع القانون الأخرى خصوصا إذا كانت من جملة القوانين التي تظهر بأنها مقيدة للحريات إن بالحبس، السجن، أو حتى الإعدام الذي ينهي هذه الحرية للأبد، ولا يمكن بأي حال الإشارة هنا إلى القانون العقاري أو القانون البحري أو غيرها من القوانين الأخرى، بل بكل تأكيد فالمقصود بالدرجة الأولى من كل تلك القوانين هو القانون الجنائي.

والقانون الجنائي الذي ينقسم بدوره إلى قانون العقوبات و قانون الإجراءات الجزائية، يعتبر القانون الأكثر تقييدا للحرية و لا يوجد أي قانون يضاهيه في ذلك، و لما كان الأمر كذلك كانت الحاجة ماسة لمعرفة مدى حماية حقوق الإنسان عند إعمال هذا القانون.

فأي مجتمع حديث في العالم لا يتصور ألا يهدف في جميع تشريعاته إلى حماية نظامه العام، هذا الأخير لم ينشأ في حقيقة الأمر إلا حماية للمرتكزات و الأسس الدينية، الثقافية، الاقتصادية، و الاجتماعية، فأيـما خـلل يلحـــق هذه الأسس سيخلق حتمـــا ارتبـــاكا بالنظام العـــام والآداب العامة ومن ورائه الدولة بكل تجلياتها، ما قد يؤدي إلى إشاعة الفوضى وعدم الاستقرار. 

وأمــــام كل هذا و حتى يستقر المجتمع و الـدولة معـــا فـلا بد من حمــاية هذا النظام، وأحسن حماية له هي رد المظالم، ما يحتم على كل دولة أن يكون لها قانون عقابي موجود ومرصود مسبقا بقواعد عامة و مجردة و بنصوص ملزمة، و أي عمل يوافق تلك النصوص المجرمة لأي فعل لا محالة سيعاقب من كان وراءه كائنا من كان، و لا يهم اسمه بعد ذلك أما قبل ذلك فمن غير الممكن أن يعرف أي إسم مهما كان صاحبه بل يشار فقط للفعل المجرم بأوصافه لا غير.

والإشكال لا يطرح بمناسبة تطبيق العقوبة أكان بتشديدها أو تخفيفها، بل الإشكال يطرح حقيقة يوم اقتراف الفعل المجرم قانونا أو حتى في حالة الشك في شخص ما بإتيان ذلك الفعل، وفي أثناء البحث عن أدلة براءة أو إدانة ذلك الشخص – المشتبه فيه أو المتهم- هنا فقط تتقاطع حقوق الإنسان مع القانون الجنائي في شقه التطبيقي المتعلق بقانون الإجراءات الجزائية، لينطلق بعد ذلك البحث الحقيقي حول مدى حماية أو انتهاك حقوق الإنسان، وبذلك يفتح باب اجتهادي آخر و قانوني في آن واحد و هو البحث عن إمكانية الدفع بنظرية الدفاع الاجتماعي، في محاولة لدرء العقوبة قدر الإمكان عن شخص المتهم و استبدالها إن أمكن بعقوبة بديلة يمكن أن تكون وسيلة هامة في طريق تأهيل الجاني.

وبالنظر إلى ما سبق ذهب بعض الفقهاء للقول:” إن الحرية تكمن في قلوب الرجال والنساء فإذا ماتت هذه الجذوة فلا جدوى من دستور أو قانون، وليس في وسع المحكمة أن تحميها”. 

الهدف من الدراسة:

يعتبر البحث في القضاء بصفة عامة من بين الأبحاث التي تتطلب قدرا كبيرا من الصبر والليونة والتعمق في نفس الوقت، ذلك أن الباحث يتعامل مع أنماط من السلوك البشـــري المختلفة و المتراوحة بين الغضب، الشــك، الأمـــل، و الــخوف باعتبــارها عواطف وأحاسيس بشرية، و بين الانزواء بعيدا عن تلك العواطف و الالتزام بالنص القانوني الجامد، هذا من جهة، أما من جهة ثانية فإن القضاء في شقه الجنائي في الجزائر لم يأخذ نصيبه الحق بعد من الدراسة المعمقة التي تزاوج بين ما هو نظري فكري و بين ما هو تطبيقي عملي، و ترصد تطور احترام أو انتهاك حقوق الإنسان في فترة زمنية محددة (عينة)، حتى يمكن الحكم حقيقة حول حماية هذه الحقوق من عدمها.

لكل هذا كان لا بد على الباحث أن يشق طريقه في البحث العلمي الجاد و الأكاديمي البعيد عن كل ذاتية، مستعينا في ذلك على ما تعارف عليه أسلافنا في التأليف و الذي لا يمكن أن يخرج عن الأقسام السبعة الأتية: “إما شيء لم يسبق إليه فيخترعه، أو شيء ناقص يتمه، أو شيء مستغلق يشرحه، أو شيء طويل يختصره دون أن يخل بشيء من معانيه، أو شيء متفرق يجمعه، أو شيء مختلط يرتبه، أو شيء أخطأ فيه مؤلفه يصححه”. 

تحديد مصطلحات البحث الأكاديمي:

الأطروحة أخذت لها عنوانا هو:” حماية القضاء الجنائي لحقوق الإنسان في الجزائر”، وقد استخدم مصطلح ” القضاء الجنائي” بدلا من “القضاء الجزائي”، لأن القضاء الجنائي كمصطلح لا يحمل بين طياته العقاب فقط كما يتخيله أي شخص سواء كان حبسا، سجنا، أو إعداما في أقصى حالاته، بل قد تكون فكرة الدفاع الاجتماعي حاضرة في فلك القضاء الجنائي من خلال إعادة تأهيل المحكوم عليه. 

كما تم استعمال مصطلح “مأمور الضبط القضائي” عند تناول القانون والقضاء المصريين لأنه لازال ساريا العمل به، أما في الجزائر فقد استبدل بمصطلح “ضابط الشرطة القضائية” بموجب القانون رقم 85/02، وكذلك تمت الإشارة إلى مصطلح ” الحبس الاحتياطي” عند تناول القانون والقضاء المقارن في كل من مصر والمغرب وغيرهما، بينما عند ذكر القانون والقضاء الجزائريين فإنه يشار إلى مصطلح ” الحبس المؤقت”.

أهمية الدراسة:

موضوع حقوق الإنسان سواء كان هذا الإنسان مشتبها فيه، متهما، ضحية، أو جانيا فإنه يثير الكثير من التساؤلات عند تناوله في الشق الجنائي.

خصوصا إذا علمنا أن الحدود الفاصلة بين حقوق الإنسان والقضاء الجنائي فيها الكثير من نقاط الظل التي تثير العديد من الإشكالات، فحقوق الإنسان تأخذ أهميتها في كونها غير قابلة للتجزئة فإما أن يُعترف بها كلها و مجتمعة و إلا فلا، و هو ما يؤدي حتما إلى البحث عن أي سبيل لتحصينها، ما يدعو إلى حماية المشتبه فيه و المتهم بصفة خاصة وحتى الجاني يُطلب بشدة حمايته في أثناء التنفيذ العقابي حتى بعد ثبوت قيام أركان الجريمة، ومن جهة أخرى فإن هدف القضاء الجنائي هو حماية الصالح العام متمثلا في النظام العام والآداب العامة من خلال السعي لإعطاء حق للمجتمع في الاقتصاص من الجاني، و لو على حساب حماية حقوق الإنسان في بعض الأحيان. 

فالمزاوجة بين الأمرين صعبة للغاية فكلما أُريد حماية حقوق الإنسان تكون هناك مجابهة قوية حماية لحق المجتمع في إلحاق العقاب بالجاني، و كلما كان القضاء الجنائي مصرا على إلحاق العقاب بشخص المتهم و محاولة البحث عن أدلة إدانته يجابه بالقول أن هناك انتهاكا لحقوق الإنسان.

ولأهمية الدراسة حاول الباحث أن يشير في كل جزئية من البحث إلى حقوق الإنسان، فبالرغم من غوص الموضوع في البحث الجنائي إلا أنه لم يمس البتة بطابعه الحقوقي بل أكد عليه، و لم يكن هناك مكان لغير الموضوعية، ولإحقاق ذلك تم دراسة ما يقرب من (370) قرارا قضائيا للمحكمة العليا و للمجلس الأعلى قبلها، وقد شملت هذه الدراسة كل المجلات القضائية بلا استثناء و التي تُعنى بالموضوع منذ إصدار سنة 1987 إلى غاية أواخر سنة 2014.

حيث حاول الباحث أن يساير ما هو منشور من قرارات قضائية على مستوى المجلات القضائية التي تصدرها المحكمة العليا كما هي، مع الإشارة بكل موضوعية إلى ما كان فيها من حسن أو ما لحقها من ضيم بحقوق المتقاضين، فالباحث تعامل مع الواقع المادي المحسوس.

المنهج المعتمد عليه:

تم الاعتماد على المنهج المقارن لإعطاء مجال أكبر للبحث العلمي الرصين من خلال الاستفادة من الدراسات الأجنبية لأمم سبقتنا، حتى يمكن الوقوف على حقيقة حماية القضاء الجنائي الجزائري لحقوق الإنسان أو لا، لهذا كانت المقارنة سبيلا لا ينبغي تجاهله للتوسع في البحث في حقيقة القضاء الجنائي.

حيث تم المقارنة في كثير من مواضع الأطروحة بقوانين دول عربية و أجنبية من مثل: مصر، فرنسا، الولايات المتحدة الأمريكية، في الأغلب الأعم لكن جاء ذكر الكثير من الأنظمة القانونية الأخرى مثل: بريطانيا، بلجيكا، اليابان، النمسا، فنلندا، المغرب، الأردن، العراق، وغيرها.

وكذلك الاعتماد على المنهج الاستقرائي التحليلي حيث تم التطرق بكثير من التفصيل والتحليل لموضوع البحث من خلال فرز و تبويب الاجتهاد القضائي الذي وصل إلى ما يقرب من(370) اجتهادا جاءت به أكثر من (58) مجلة اجتهاد قضائي، بالإضافة إلى ما يزيد عن (30) اتفاقية و إعلانا دوليا، و الكثير من القوانين الوطنية و المراجع العربية و الأجنبية.

أما المنهج التاريخي فقد تم الأخذ به لمسايرة تطور بعض جوانب حقوق الإنسان أمام القضاء، لكن بدون الغوص المطنب و المخل و في حدود تحكمها الدراسة لا غير.

إشكالية البحث:

تتمحور الأطروحة حول الإشكالية الرئيسية التالية: هل يوفر القضاء الجنائي الجزائري الحماية اللازمة لحقوق الإنسان ؟

والتي بدورها تثير عدة تساؤلات فرعية و أبرزها ما يلي:

•  ماذا يقصد بالحماية الجنائية لحقوق الإنسان و ما علاقتها بالعدالة الجنائية ؟

•  ما هي ضمانات حماية حقوق الإنسان؟

•  ما هي ضمانات المشتبه فيه و المتهم في التحقيق الابتدائي؟

•  ما هي الحماية المقررة لحقوق المشتبه فيه و المتهم عند تقييد الحرية بدافع التحقيق؟

•  هل القاضي الوطني مجبر على تطبيق أحكام الاتفاقيات الدولية على النزاع المطروح أمامه ؟

•  هل للمتهم الحق في تلقي المساعدة القضائية بلا قيد؟

•   ما هي شروط المحاكمة العادلة؟

•  هل يعتبر السجن أفضل وسيلة لتأديب الجاني أم يمكن استبدالها بغيرها؟

تقسيم الدراسة

وفي سبيل الإجابة عن هذه الإشكالية و التساؤلات المتفرعة عنها تم رصد خطة البحث التالية:

بالنظر لمقتضيات البحث العلمي استلزم الأمر إفراد فصل تمهيدي خصص لدراسة العدالة الجنائية باعتبارها سبيلا مهما في حماية حقوق الإنسان، وقد قسم هذا الفصل إلى مبحثين اثنين أولهما خصص للقضاء الجنائي وضمانات حماية حقوق الإنسان سيما ما يتعلق منها بهدف الحماية الجنائية و ما يتصل بها من الشرعية الجنائية، وكذلك مبدأي المساواة أمام القضاء و استقلاله عن أي تدخل من لدن السلطتين التشريعية و التنفيذية.

لنعرج في المبحث الثاني على فاعلية العدالة الجنائية سواء كان القضاء في ظل الظروف العادية أو حتى لو طرأت عليه ظروف غير عادية، الأمر الذي يحتم احترام مبدأ القاضي الطبيعي كأصل عام وتوفير قضاء نزيه وضمانات للمتقاضي في ظل الظروف غير العادية (الاستثنائية).

وبعد ذلك تم تخصيص بابين اثنين للتعمق أكثر في دراسة موضوع الأطروحة حيث خصص الباب الأول لحماية حقوق الإنسان في مرحلة التحقيق، والذي قسم بدوره إلى فصلين اثنين، ففي الفصل الأول برزت الإشارة إلى الضمانات المتعلقة بمركز محل التحقيق (المتهم والمشتبه فيه)، وخصص الفصل الثاني لضمانات حماية حقوق الإنسان في حالات تقييد الحرية في مرحلة التحقيق، مع الحرص على إبراز الأهمية القصوى في وجود محام بجانب المشتبه أو المتهم سواء كان ذلك في شكل مساعدة قضائية أو في حال كان للشخص القدرة المالية على تسخير محام.

أما الباب الثاني فقد خصص للبحث في حماية حقوق الإنسان أثناء وبعد المحاكمة وورد في فصلين، الفصل الأول تم التطرق فيه لحماية حقوق الإنسان أمام محكمة الجنايات وضمانات ذلك، والفصل الثاني خصص لدراسة حماية حق الإنسان من خلال الطعن الجنائي وضمانات تنفيذ الأحكام القضائية.

لتكون في النهاية خاتمة البحث محصلة لكل ما جاء مع الإشارة إلى أهم العيوب والعوارض التي تنتقص من فاعلية حماية حقوق الإنسان أمام القضاء الجنائي الجزائري، مع إبداء أهم ما رآه الباحث من مقترحات وتوصيات لإصلاح ذلك.

0 responses on "حماية القضاء الجنائي لحقوق الإنسان في الجزائر"

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

top

جميع الحقوق محفوظة ©2019 أكاديمية العلاقات الدولية

Share This