البحر المتوسط: الأهمية السياسية والخصائص الإستراتيجية

4

د. صونيا ولد بو معزة

يعتبر البحر المتوسط من أهم المواقع الجيوستراتجية في العالم خصوصا بالنسبة لدول الغرب والولايات المتحدة الأمريكية، أي دول حلف “الناتو”، وكذلك كان مهما جدا في استراتيجيات المعسكر الشرقي سابقا (حلف وارسو) بزعامة الاتحاد السوفيتي، وخلال فترة الحرب الباردة ما بين المعسكرين (1945-1990)، كان المتوسط مسرح تنافس وصراع.

إن أهمية هذا البحر الجيوستراتيجية تكمن في بنيته الجيوبولتيكية، فهو شاطئ حوالي 24 دولة وكيانا سياسيا وبشريا وحضاريا، وفي حوضه أقدم الحضارات البشرية منها الفرعونية واليونانية والرومانية، وعلى ضفته الشرقية ظهرت الديانات التوحيدية الثلاثة.
تنتمي للحوض المتوسط مجموعة من الدول تقع في ثلاث قارات: أوروبا، أسيا، وأفريقيا؛ فيما يخص الدول المطلة على الحوض المتوسط، في أوربا “إسبانيا، فرنسا، موناكو، سلوفينيا، كرواتية، البوسنة والهرسك، الجبل الأسود، ألبانيا، اليونان”، وتضاف إليها مقاطعة جبل طارق الإنجليزية، وفي قارة أسيا “تركيا، سوريا، لبنان، فلسطين”، أما في قارة أفريقيا “الجزائر، المغرب، تونس، مصر، ليبيا”، وأيضا هناك الدولتان الجزيرتان “مالطا، وقبرص.

4

الخصائص الجغرافية لحوض البحر المتوسط

تبلغ مساحة البحر المتوسط 969.100 ميل مربع ويظهر لنا كبركة من القارات الثلاث “أفريقيا، أسيا وأوروبا” ويعترف علماء الجغرافيا الطبيعية والبشرية بأن حوض البحر المتوسط يمثل وحدة حقيقية وأن الساحل الجنوبي يتكامل مع الساحل الشمالي، ويبلغ طول البحر من الشرق إلى الغرب حوالي 334 ميلا بحريا مشكلا الخط المستقيم جبل طارق، أما عرضه فيتراوح بين 814 ميلا بحريا بين مضيق الدردنيل التركي وميناء بورسعيد المصري، و410 أميال بحرية بين ميناء مرسيليا الفرنسي وميناء بجاية بالجزائر.

هذه المسافات الطويلة تعطينا نظرة على الطول الإجمالي للسواحل المتوسطية التي تبلغ نحو 9761 ميلا يصل إلى 10011 ميلا إذا أضفنا سواحل جزيرتي قبرص ومالطا، وبحكم الطبيعة الجغرافية للبحر المتوسط فإنه يكاد يكون بحرا مغلقا، لولا وجود منفذين رئيسيين هما، مضيق جبل طارق غربا الذي يتصل بالمحيط الأطلسي وقناة السويس شرقا التي تشكل منفذا إلى البحر الأحمر الذي يتصل بدوره عند مضيق باب المندب بالمحيط الهندي كما ينقسم البحر المتوسط الى حوضين غربي وشرقي بفعل الخناق الموجود بين جزيرة صقلية وتونس.

وهذه الخصائص الجغرافية المذكورة ميزت سياسات دول البحر المتوسط وعلاقاتها البينية عبر مختلف العصور إلى الوقت الحالي لكن ثمة اختلاف حول تصنيف الدول المتوسطية، فإذا كان التوافق موجود حول المعيار الجغرافي الذي يعتبر أن كل دولة تطل أولها منفذ بحري هي دولة متوسطية، فإن للمعيار الاستراتيجي أهمية تجعل الحوض يتوسع ليتجاوز حدوده الجغرافية ليشمل مناطق أخرى تدخل ضمن نطاقه السياسي والاستراتيجي

4

الخصائص الاقتصادية للبحر المتوسط

إلى جانب الموقع الجغرافي الخاص بالبحر المتوسط وأهميته الجيوسياسية، فإنه يحتوي على ثروات استراتيجية تعد حيوية بالنسبة لاقتصاد الدول الغربية الصناعية.
وتتمثل هذه الثروات خاصة في النفط والغاز اللذين تزخر بهما منطقة المغرب العربي والخليج العربي وكذا منطقة بحر قزوين، وهنا يبرز دور البحر المتوسط كمعبر رئيسي للسفن وحاملات النفط والأنابيب النفطية والغازية إلى دول أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية مرورا عبر قناة السويس ومضيق جبل طارق؛ ومن هنا يمكن اعتبار البحر المتوسط بمثابة الشريان الحيوي للتجارة العالمية.
وهذه الأهمية ليست وليدة الظروف الراهنة، وإنما حازها البحر المتوسط منذ القدم باعتباره البحر الذي يتوسط العالم القديم.

وعلاوة على ما سبق، فإن البحر المتوسط يجتذب سدس التجارة العالمية وثلث تجارة النفط العالمية، وبالرغم من كل ما ذكرناه، إلا أن المتوسط يبقى بحرًا لا يعرف الاستقرار، وهذا راجع لعدة عوامل منها: الانفجار السكاني والأصولية الإسلامية والإرهاب والهجرة غير الشرعية والنزاع العربي– الإسرائيلي، وأيضا ما يقارب ثلاثين نزاعا مفتوحا أو مكانا والتخلف والفقر والتوترات الاقتصادية.
فكل هذه العوامل التي يشهدها والتي تنتج عدم الاستقرار في هذا البحر الذي يعتبر شبه مغلق، لا يمكنه إلا أن يغذي الخوف والقلق على ضفته، خاصة تلك الأكثر غنى.
لكن من المؤكد أن اقليم البحر المتوسط يشكل بفضل ماضيه وجوانب كثيرة من حاضره منطقة ذات طابع متنوع لا ينفي عنها بأي حال وحدتها، فهذه الوحدة وذلك التنوع من صنع الجغرافيا والتاريخ.

ومع ذلك فإن هذه المنطقة ليست منعزلة عن بقية العالم، بل إنها تشكل إحدى الساحات الرئيسية للمواجهة والنزاعات التي تشهدها حقبتنا.

لقد أصبح البحر المتوسط عمودا فقريا في منظومة مجتمعات مرتبطة ببعضها البعض، وهذا من خلال شبكة كثيفة من المبادلات التجارية والتكنولوجية والعلمية والروحية.