التنافس الأوروبى -الأمريكى على سوق الطاقة فى شمال أفريقيا

5

صونيا ولد بو معزة وخولة حباش

مقدمة:

العلاقات بين دول شمال أفريقيا ودول العالم الكبرى هي في معظمها علاقات حديثة نسبيا بدأت في مطلع القرن الماضي، باستثناء تلك التي مع دول أوروبا الغربية، فهي ذات تاريخ طويل مضت عليه مئات السنين. وقد شكل جوهر تلك الصلات محاولات أوروبية متواصلة لبسط نفوذها على دول شمال أفريقيا واستغلاله لمصلحتها عن طريق الاستعمار المباشر أو غير المباشر.

ويشكل الموقع الجغرافي المتميز للمغرب العربي محور تلاقي أربعة أبعاد جيو-إستراتيجية موسعة ومترابطة، بدأ بالبعد المتوسطي وامتداداته الاوروبية شمالا، الى البعد الافريقي جنوبا، والبعد الشرق أوسطي شرقا امتدادا الى الخليج العربي وآسيا، الى البعد الأطلسي غربا.

وتعتبر منطقة شمال أفريقيا محور الاتصال الرئيسية بين قارات العالم الافرو-آسيوي فالدور الاستراتيجي الذي تحضى به دول شمال أفريقيا، نابع من موقعها الجيو-استراتيجي المتميز ومن الرهان الذي تشكله بالنسبة للقوى الكبرى والقوى الاورو-متوسطية.

كما تشكل منطقة شمال أفريقيا رهانا اقتصاديا-استراتيجيا هاما بالنسبة للدول الكبرى حيث توفر دول المنطقة سوقا تجاريا واقتصاديا واستهلاكيا واستثماريا من حوالي 100 مليون نسمة فيما تعتبر كل من الجزائر وليبيا مصدرين هامين للطاقة في المنطقة والاستثمار الطاقوي باحتياطي من النفط ما يفوق حجمه 5 مليارات طن كاكتشافات مؤكدة و5000 مليار متر مكعب من الغاز، وتعتبر الجزائر خامس منتج ورابع مصدر عالميا من الغاز الطبيعي. 

ومن هذا المنطلق نطرح الاشكالية التالية: إلى أي مدى تعتبر منقطة شمال أفريقيا ساحة للتنافس الاستراتيجي بين القوى الاوروبية والأمريكية على سوق الطاقة؟

5

فرضيات الدراسة: 

  • يشكل المجال الاقتصادي أكثر المجالات التنافس الاوروبي-الامريكي في منطقة شمال أفريقيا باعتبارها سوقا ومورد اقتصادي هام.
  • أصبحت الطاقة بكل انواعها خاصة النفط لها أهمية سياسية كبيرة في الساحة الدولية بسبب استعمالها في الاغراض الصناعية، هذا ما أدى الى التنافس بين تلك الدول.

أهمية الدراسة:

 تكمن اهمية الدراسة في كون الطاقة بكل أنواعها سواء التقليدية او المتجددة فرضت نفسها كسلعة استراتيجية منذ أكثر من قرن، ثم تحولت المناطق المنتجة لها الى مناطق استراتيجية وهذا ما أدى الى تنافس القوة الاوروبية والأمريكية على المنطقة من خلال إدراك الاهمية الاستراتيجية بالنسبة لمصالحها الحيوية الاقتصادية سواء الطرف الاوروبي او الأمريكي وبالتالي كلا منهما أدرجت من أولويات سياستها الخارجية ضرورة الهيمنة الدائمة على منطقة شمال أفريقيا.

أهداف الدراسة: 

  • ابراز دور الطاقة في الاستراتيجية التنافس الاوروبي –الامريكي في علاقاتها مع شمال أفريقيا ومدى تغيرها او استمرارها.
  • معرفة السياسة الاوروبية والامريكية لتحقيق امنها الطاقوي وانعكاسات ذلك على علاقتها بدول شمال أفريقيا.

منهجية الدراسة: 

من أجل الإجابة على إشكالية الدراسة فقد تم الاعتماد على أكثر من منهج، حيث استخدم المنهج الوصفي التحليلي من خلال جمع المعلومات التي ترتبط بموضوع البحث ومن ثمة تحليلها، ودراسة المتغيرات الخاصة بالموضوع والأحداث التي سبقته ثم تحديد الآثار الناجمة، وأيضا تمت الاستعانة بالمنهج الاحصائي من خلال عرض عدة إحصائيات تتعلق بالعلاقات الاقتصادية والتبادلات التجارية. 

ومن خلال هذا المنظور تم الاعتماد على أربعة محاور لمعالجة اشكالية الدراسة: المحور الاول: الدواعي الاقتصادية للاهتمام الأوروبي-الأمريكي بمنطقة شمال أفريقيا، المحور الثاني: استراتيجية التنافس الطاقوي الأوروبي-الأمريكي في منطقة شمال أفريقيا، المحور الثالث: حدود التنافس الاقتصادي الأوروبي-الأمريكي وانعكاساته على المنطقة، المحور الرابع: آليات مواجهة التنافس الأوروبي-الأمريكي على سوق الطاقة في شمال أفريقيا.

المحورالاول: الدواعي الاقتصادية للاهتمام الأوروبي-الأمريكي بمنطقة شمال أفريقيا

لا نتجاوز الحقيقة إذا قالنا إن المنطقة شمال أفريقيا بثروتها الطاقوية، ومواردها الاقتصادية وسوقها الاستهلاكية الواسعة تعتبر في تحليل علماء الاقتصاد والسياسة رئة أوربا الغربية التي تتنفس بها، ومكانتها الجغرافية عبر البحر المتوسط الذي لا يتحقق أمنها الاستراتيجي إلا في ظل استقراره وأمنه.

وعلى هذه الحقائق فان البعد الاقتصادي يصبح مكملا للبعد السياسي ذلك ان العلاقات دول المنطقة المغاربية مع أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية لا تقتصر على جانب محدود من النشاط الاقتصادي، سواء كان هذا الجانب يتناول التبادل التجاري أو المشاركة الاستثمارية في مشاريع التنمية أو الصناعات جديدة، بل يشملها كلها في آن واحد.

وفي ظل التحولات الدولية، وما أسفرت عنه حرب الخليج الثانية من إعادة توزيع للقوى الدولية على المسرح الدولي، ازداد الطلب العالمي على المواد الطاقوية وخاصة على النفط، ودخلت دول جديدة على مسرح المنافسة، وازداد الاستهلاك في الاسواق العالمية، نتج عن ذلك تصاعد حدة المنافسة الدولية على هذه السلعة الاستراتيجية الامر الذي دفع بدول الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة الامريكية الى تركيز سياستها على بناء علاقات تعاونية مع دول منطقة شمال أفريقيا.

وذلك ما يتجلى من خلال دراسة الدواعي الاقتصادية للاهتمام الاوروبي والأمريكي بالمنطقة مرتبطة بمصالح اقتصادية وسياسية وأمنية وحتى ثقافية. 

5

1ـ دواعي الاهتمام الاوروبي بمنطق ةشمال أفريقيا: 

لكون المنطقة المغاربية تعتبر قطبا مهما لتأمين المصالح الاوروبية. فقد سعت هذه الاخيرة الى ربطها اقتصاديا بالاتحاد الاوروبي والذي تعكسه المشاريع الكبرى بين الضفتين كخط أنبوب الغاز الجزائري الذي يمر عبر المغرب الى اسبانيا. والجانب الطبيعي فتعتبر منطقة شمال أفريقيا مصدرا للمواد الخام لإنعاش الصناعات الاوروبية وسوقا لمنتجاتها لذلك سعت دول الاتحاد الاوروبي لإنشاء العديد من الصناعات الخفيفة كالأسمدة والاسمنت كما سعت لتقنين العلاقة بين منتجي النفط (جنوبا) ومستهلكيه (شمالا) كنظام الحصص.

كما عملت الدول الاوروبية على تعزيز سياسة التعاون مع البلدان المغاربية في مجالات التنمية الاقتصادية. ووضع سياسات مشتركة لمكافحة الهجرة غير الشرعية واستخدام العمالة وتوسيعها الى مجالات أوسع.

ومنه تظهر أهمية شمال أفريقيا بالنسبة للاتحاد الاوروبي فيما يخص البعد الاقتصادي كما يلي: 

  • أهمية السوق المغاربي أمام الصادرات الأوروبية وما تفتحه من فرص استثمار للاتحاد الاوروبي كالنهر الصناعي العظيم بليبيا ومشروع أنابيب نقل الغاز الجزائري الى أوروبا.
  • احتياطي النفط والغاز الطبيعي والعديد من المواد الاولية كالفوسفات، الحديد واليورانيوم. كلها عوامل جذب اهتمام الاقتصاد الاوروبي وتأمين لاستقراره.
  • دور الفوائض المالية النفطية في فتح فرص استثمار واسعة أمام الشركات الاوروبية.

وعملت هذه العوامل على تسريع وتيرة العلاقات التجارية بين الطرفين قصد تعزيز التعاون الاقتصادي بينهما لتتطور مستقبلا الى شراكة.

2ـ دواعي الاهتمام الامريكي بمنطقة شمال أفريقيا: 

تدرج الولايات المتحدة الامريكية شمال أفريقيا ضمن سياستها الافريقية لتوسيع مناطق نفوذها. حيث تضاعف الاهتمام الاقتصادي في منتصف التسعينيات مع تضاعف وتيرة الاكتشافات النفطية في الجزائر خلال 1995-1996-1997 وتراهن الولايات المتحدة على موارد النفط والغاز في كل من الجزائر وليبيا، بعد تحولات الانفراج الليبي في فيفري 2004. وتركز هذا الاهتمام ضمن الاستراتيجية الامريكية للأمن الطاقوي في البحر المتوسط والتي تمتد من المغرب الى بحر القزوين مرورا بمنطقة الخليج. 

كما تشكل السوق الاستهلاكية المغاربية حوالي 100 مليون نسمة أحد الرهانات الاستراتيجية الامريكية في المنطقة وهو ما يفسر إطلاق مبادرة ايزنستات في جوان 1998 مشروعا اقتصاديا على دول شمال أفريقيا يهدف الى تطوير التبادلات التجارية والاستثمارات بين الطرفين.وبعدها مبادرة الشراكة الشرق الاوسط MEPI منذ 2002، ومبادرة الشرق الاوسط الكبير في مطلع 2004، حيث أدرجت منطقة شمال أفريقيا ضمن استراتيجية شرق-أوسطية موسعة تمتد من الاطلسي غربا الى الخليج العربي شرقا.

تعتبر الولايات المتحدة النفط كمصدر أساسي للوصول إلى موقع القيادة العالمي، لذلك تسعى بكل جهدها لكي تجعل من هذا القرن قرنا أمريكيا صرفا، ولا يتم لها ذلك إلا بسيطرتها المطلقة على نفط الخليج العربي واحتلالها العراق عام 2003 لكي تكمل حلقة هذه السيطرة على النفط الذي تتزايد احتياجات الولايات المتحدة اليه باستمرار، وأكدت الدراسات أن الولايات المتحدة تحتاج عبر شركاتها النفطية الى تامين احتياجاتها من الطاقة كهدف استراتيجي.

وتسعى لتحقيق عدة أهداف منها: زيادة الواردات النفطية من دول الخليج العربي التي تملك ثلثي الاحتياطي النفطي العالمي، وتنويع الواردات النفطية والمنطقة شمال أفريقيا على رأس المناطق التي تسعى لتأمين استراتيجيتها فيها، والتعاون مع هذه الدول كمنطقة للتعاون الاقتصادي، أي كوحدة اقتصادية واحدة، مع التأكيد على الدور المركزي للقطاع الخاص في هذه الشراكة باعتباره المحرك الاساسي للنمو الطويل الأمد والمستديم لهذه المنطقة”.

المحورالثاني: استراتيجية التنافس الطاقوي الأوروبي -الأمريكي في منطقة شمال أفريقيا:

يعتبر الشريط البحري لي حوض المتوسط الذي تطل عليه دول شمال أفريقيا ممرا رئيسيا لنقل النفط وهو بعد استراتيجي اقتصادي يعني الجانب الأوروبي والجانب الأمريكي على حد سواء بحيث انه ما نسبة 65% من واردات النفط والغاز الغربية تمر عبر البحر الأبيض المتوسط ‏فيما تنقل هذه المياه ما نسبته 15% من مشتريات المحروقات الأمريكية من الخليج وأفريقيا الشمالية. كما تعتبر منطقة شمال أفريقيا من أهم مناطق العالم لاحتياطي وإنتاج الطاقة، ويتعلق الأمر تحديـدا بكل من الجزائر وليبيا. ويشكل سوق الطاقة فيه احـد مجـالات الاحتكـاك الاقتصادي – تكاملا وتنافسا- بين الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا وعلى وجه الخصوص وبتحديد فرنسا.