كيف يصنع القرار فى الولايات المتحدة الأمريكية

42

نظمت أكاديمية العلاقات الدولية، بمدينة إسطنبول التركية، ندوة فكرية بعنوان “كيف يصنع القرار في الولايات المتحدة؟”، وذلك مساء السبت 3 فبراير 2018، بمشاركة عدد من الخبراء والمتخصصين والأكاديميين والباحثين في العلاقات الدولية ودراسات الشرق الأوسط والسياسة التركية.

قدم المحاضرة الأساسية في الندوة، الأستاذ الدكتور/ سامي العريان، مدير مركز دراسات الإسلام والشؤون الدولية، جامعة إسطنبول صباح الدين زعيم التركية.

والدكتور العريان، أكاديمي فلسطيني، ولد في مدينة الكويت وسافر إلى أمريكا في العام 1975م حين كان عمره 17 سنة ودرس بها وحصل على شهادة مكنته من العمل بالجامعات الأمريكية (جامعة جنوب فلوريدا) في مجال العلوم الهندسية.

ومن بين المحاور التي تحدث عنها د. العريان في الندوة:

اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة:

وذكر أنه ربما تكون منظمة (إيباك) هي أول ما يرد على الذهن حين يُذكر اللوبي الصهيوني لكنها ليست الوحيدة ولكنها الأهم. فاللوبي الصهيوني يتكون من عدد كبير من المنظمات والمؤسسات يقوم كل منها بدور مختلف ويَجري التنسيق بينهم بشكل غير مُباشر. بعض المؤسسات تختص بالبحث ووضع السياسات مثل معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، والذي بدأ عام 1983 منبثقا من (إيباك) لإجراء دراسات دورية حول تطوير العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ثم تطور دوره ليشمل دراسة محيطها الإقليمي مثل لبنان وسوريا والأردن ومصر وتركيا.

ويقوم المعهد كذلك على إعداد توصيات ومقترحات بسياسات وتشريعات كما يوفر المعلومات اللازمة حول القضايا التي يهتم اللوبي بالعمل عليها. كذلك يفرخ الخبراء ويدربهم ثم يقدمهم للمهام النوعية؛ “فمارتن إندك” -الذي أسس المعهد- انتقل بعدها للعمل كمساعد لوزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط ثم دعمه اللوبي ليكون سفير الولايات المتحدة في إسرائيل لدورتين، وقد عينه أوباما في 2013 ليكون المفاوض الرئيسي في مباحثات السلام بين السلطة الفلسطينية والكيان الإسرائيلي. كما يختص المعهد بالتشابك مع مراكز الفكر الأخرى والتأثير على اتجاهاتها من خلال المشاركة في الندوات والمؤتمرات البحثية.

في المقابل نجد أن منظمة مثل مجلس رؤساء المنظمات اليهودية في أمريكا تتولى العلاقة مع البيت الأبيض مباشرة. وتركز منظمة (إيباك) جهودها في التنسيق المباشر بين الكونجرس والأجهزة الإدارية الهامة كوزارة الخارجية ووزارة الدفاع، ووكالة الاستخبارات الأمريكية CIA أيضاً. وعلى الرغم من وجود قوانين تجعل من إعطاء (الإيباك) لوثائق استخباراتية لإسرائيل قضايا تجسس يعاقب عليها القانون إلا أن المنظمة لا تتوقف عن المحاولة وهو ما أوقعها في العديد من المرات في قضايا تجسس كانت تتخلص منها باستخدام نفوذها حتى تغلق التحقيقات.

وأضاف د. العريان: علينا أن نعترف أن اللوبي لديه قدرة جيدة على العمل المنظم، فمنظمة مثل (إيباك) أكثر عملها مع الكونجرس. وبنشاطها مع أعضاء مجلس النواب ومجلس الشيوخ يمكن القول إنها تتحكم فيما يقرب من 70 % من أعضائه. كذلك فإن المال السياسي، والذي تقوم على تجميعه عشرات اللجان اليهودية الصهيونية في جميع أنحاء الولايات الأمريكية، يلعب دوراً كبيراً في التأثير على توجه النواب. ورغم أن الجالية اليهودية تمثل أقل من 2 % من الشعب الأميركي إلا أنها تقدم 65 % من ميزانيات الحملات الانتخابية للحزب الديمقراطي و35 % من تمويل الحملات الانتخابية للحزب الجمهوري، وهذا من أبرز وسائلهم في جذب النواب، إذ معظم النواب ينصب اهتمامهم على إعادة انتخابهم. وهناك اعتقاد لدى العديدين من السياسيين الأمريكيين أن اللوبي لديه القدرة على حسم النتائج لصالح من يريد منذ الثمانينيات بعد استهدافه لبعض المرشحين وإسقاطهم.

وصول ترامب للسلطة:

ترامب لم يكن خيار اللوبي الصهيوني. فملف إسرائيل لم يكن عليه اختلاف بين المرشحين الجمهوريين غير أن ترامب براجماتي غوغائي ومقامر لا يهمه شيء سوى أن يكسب ولا يلتزم بأيديولوجية وتاريخه يؤكد هذا تماماً. ومع هذا فهم مضطرون إلى التعاون معه الآن لا سيما أن دائرة مستشاريه فيها العديد من الصهاينة والمعادين للعرب والمسلمين اهم الآن ملتفون حوله وسيكون لهم تأثير كبير على قراراته-فيما يخص الصراع العربي الاسرائيلي، “كستيفن بانون” و “دافيد فريدمان” وصهره “جاريد كوتشنر”.

الصهيونية قدمت نفسها كجزء من المشروع الحداثي القائم على التنوير والنهضة والانعتاق من الاستبداد. غير أن العدوان وحروب الكيان المستمرة مع الفلسطينيين وما كشفته كتابات الأكاديميين الجدد للرواية التاريخية الرسمية وسياسات الدولة غير الديمقراطية أدى لتحول عدد لا يستهان به من النخبة والنشطاء اليهود عن الأيديولوجية الصهيونية وخاصة في الولايات المتحدة. بالطبع لا يزال هناك متطرفون، إلا أن الأعداد التي ارتدت عن الصهيونية بين الشباب كبيرة، ولا يكتفي معظمهم بالوقوف عند التحول الفكري بل ينشطون في حركات لانتقاد الكيان وعدائه، حيث توجد في معظم الجامعات تجمعات طلابية باسم (طلاب من أجل العدالة لفلسطين). ومن اللافت للنظر أن أعداداً كبيرة من أنصار هذه الحركات هم من الطلاب اليهود الذين أصبحوا معادين للكيان الصهيوني وأيديولوجيته. وما أود التنبيه إليه هنا أن المجتمع الصهيوني ليس محصناً بل مفككاً ويمكن اختراقه لكن بوعي وفهم وصبر وسعة أفق.

السياسة الأميركية وإسرائيل الكبرى:

ذكر د. العريان إنه في عام 1982 كتب “أوديد ينون” وهو أحد المفكرين الصهاينة خطة بعيدة المدى للكيان الصهيوني، يمكن تسميتها بالخارطة الجديدة للشرق الأوسط، تحدث عنها آرييل شارون في كلمته الافتتاحية لاجتماع ممثلي حلف الناتو عام 1983، وأعيد تناولها حديثاً بين مراكز الأبحاث. وهي تتلخص في تقسيم دول الشرق الأوسط إلى دويلات، ما يُضعف من قدرة كل دولة قد تمثل أي تهديد للكيان الصهيوني لتبقى إسرائيل قوة واحدة مهيمنة.

وهذه الخطة كما آلت اليه الأوضاع في المنطقة ليست بعيدة المدى، بل يمكن بسهولة فهم كثير من الخلافات بين تركيا والولايات المتحدة في إطار ضغط الأخيرة لتنفيذ سياسات تتماشى مع هذا المخطط. وليس انفصال جنوب السودان عن شماله بمعزل عن دعم إسرائيل. فضلاً عن ما تلاه من محاولات في العراق وسوريا ولبنان. كما أن دولاً مثل السعودية تعتبر مستهدفة لولا تماسك حكومتها المركزية حتى الآن. في السعودية وبعض دول الخليج الكثير من الشركات الصهيونية التي تتخذ طابعا غربياً ليسهل انتشارها، وكذا الحال في شمال العراق فلم يعد خافياً على أحد اختراق الموساد للمنطقة.

الخلاصة أن هناك خطة إسرائيلية قديمة لتقسيم المنطقة ولقد تزامن إحياء هذه الخطة مع وجود حكومة إسرائيلية متطرفة وإدارة أمريكية تؤمن بنظرية صراع الحضارات بل تجاهر بقرب حربها ضد الإسلام والمسلمين. أضف إلى ذلك وجود صراعات جانبية وطائفية وإثنية في المنطقة تحيد عن جوهر الصراع. هذه بالطبع ليست حتمية تاريخية وإنما تمثل تحدياً كبيراً يمكن للأمة أن تستجيب له وتواجهه إذا أحسنت في اتخاذ خياراتها الاستراتيجية وتنفيذها للشروط الثلاثة اللازمة للنجاح في تحقيق أهدافها: إجماع الرؤية وإجماع الإرادة وإجماع العمل.