ندوة : مشروع الحزام الصينى

37

نظمت أكاديمية العلاقات الدولية، بالتعاون مع: المعهد المصري للدراسات، ومنتدى آسيا والشرق الأوسط، ومنتدي الجنوب للعلاقات، ندوة تفاعلية بعنوان، مشروع الحزام الصيني: طريق واحد، وذلك يوم الثلاثاء 26 سبتمبر 2017، بمقر الأكاديمية، وكانت المحاضرة الرئيسة في الندوة للأستاذ الدكتور/ محمد مكرم بلعاوي، رئيس منتدى آسيا والشرق الأوسط.

يصنّف خبراء مبادرة الحزام والطريق الصينية على أنّها أكبر مشروع تنمية وبنى تحتية في التاريخ، وقد أعلنها الرئيس الصيني الحالي تشي جنبينغ عام 2013م، كرؤية صينية لمستقبل ليس الصين فحسب، بل كل آسيا وبالتبعية العالم بأسره، ولا شك أنّ من الأهداف غير المعلنة للمبادرة هي محاولة الصين تجاوز العراقيل والقيود التي تحاول الولايات المتحدة الأمريكية أمام تطورها مخافة أن تتبوء مركز الزعامة العالمية ولو على المستوى المتوسط أو البعيد.

كانت أمريكا قد استشعرت النمو السريع “للتنين الأحمر”، عقب انهيار الاتحاد السوفياتي في بداية تسعينيات القرن الماضي، فوضعت الإدارات الأمريكية المتعاقبة خططاً واستراتيجيات قائمة على تعويق الصين واستنزافها، ويمكن الإشارة إلى أنها قد تبلورت الاستراتيجية الأمريكية لاحتواء التوسع الصيني في عهد الرئيس أوباما من خلال مشروعين هما مشروع محور آسيا Pivot to Asia معاهدة التجارة الحرّة المسمى “التجارة عبر الهادي” TPP والتي ضمت كل دول شرق آسيا باستثناء الصين، واعتمدت على توفير حوافز اقتصادية لدول شرق آسيّا لتجعلها أكثر ارتباطاً بالولايات المتحدة وجوارها من ارتباطها بالصين، بالمقابل، أسّست الصين رؤيتها، التي تريد أن تغيّر بها وجه آسيا وتنقلها إلى عصور الحداثة، على مشروع قديم عمره يزيد عن ألفي سنة، وهو “طريق الحرير”. كان هذا الطريق يمتد من الصين عبر آسيا الوسطى إلى شواطئ المتوسط ومن هناك يمتد بحراً إلى أوروبا التي كانت تستقبل البضائع الآسيوية الثمينة حينها، من البهارات والخزف والحرير الصيني، وطرحت الصين في مبادرتها حلولاً لمشاكل مزمنة عانت منها خلال عقود، ومنها تمكين الولايات الداخلية وتسهيل انخراطها في الاقتصاد العالمي، وربط وتعزيز انتماء للولايات الحدودية للمركز ورفع السوية الاقتصادية، وخصوصاً شنغ يانغ (تركستان الشرقية سابقاً) والتبت، والتي تتنامى فيها نزعات انفصالية أخذت شكلاً مسلحاً في بعض الأحيان.

سرعان ما أطلق الصينيون اسماً جديداً على مشروعهم، وهو “مبادرة الحزام والطريق”، بعد أن كان يُعرف باسم ” مشروع حزام واحد طريق واحد”، بينما الأمريكان ما زالوا منخرطين في مفاوضات تفصيليّة مع الدول الآسيويّة حول اتفاقية التجارة عبر الهادي، والتي مرّت في الكونغرس الأمريكي بعد مقاومة اتهمت الاتفاقيّة بهدر الأموال وخسارة فرص العمل لصالح دول أجنبية. في عام 2015م أعلنت الحكومة الصينية ورقة تسمى “خطة تشغيليّة لمبادرة الحزام والطريق”، تضمّنت الخطوط العريضة للمبادرة، التي دعت دول آسيا والعالم إلى الانضمام إليها، وجعلت المشاركة في البنك الآسيوي لتنمية البنية التحتية والذي تشارك الصين بحصة الأسد فيه، المدخل للمشاركة في هذه المبادرة وقد بلغ اليوم عدد المشاركين فيه قرابة سبعين دولة ليست دولاً آسيوية ودولاً من العالم الثالث وحسب، بل شارك فيها دول أوروبية كألمانيا وبريطانيا على السبيل المثال، وأمّا الولايات المتحدة الأمريكية فقد قاطعته. كما أنشأت صندوقاً لتمويل المشاريع المرتكزة على المبادرة سمته صندوق طريق الحرير، وقد اختلف الخبراء في تقدير القيمة المتوقعة لمشاريع المبادرة اختلافاً كبيراً إذ أن بعضهم يقدر التكلفة بحوالي تريليون دولار وآخرون يقدرونها بثمانية تريليون دولار أمريكي، وينبع هذا التفاوت بالمقام الأول من أنّ المبادرة ما زالت بمرحلة سيولة فلم يتحدّد الشركاء فيها والمشاريع التي سيتم تبنيها، بشكل نهائي.

وتشير الخطط الأوليّة للمبادرة أنّ الخطوط التي تم تبنيها وهي ستة خطوط، يمر نصفها أو ينتهي على ضفاف المتوسط، عبر الشرق الأوسط والبلدان العربية، وهذا ما يجعل الصين تولي منطقة الشرق الأوسط عناية كبيرة في خطة العلاقات العامة التي تمارسها لإقناع العالم بالمبادرة.

نص المبادرة

أصدرت وزارة الخارجية الصينية وثيقة سمتها الرؤية والمبادئ ونشرتها على موقعها تتضمن الخطوط العريضة للمبادرة، وهي الوثيقة الرسمية الأساسية وربما الوحيدة التي أطلقتها الصين بهذا الخصوص، ولا تنحصر رؤية الصين كما تبينها الوثيقة ببناء شبكات الطرق البرية والبحرية والجوية، بل تمتد لتشمل توحيد القوانين التجارية والجزائية، وكذلك اعتماد معايير جودة ومقاييس موحدة، بل إنها تمتد إلى أمور اجتماعية كشؤون المرأة والطفل، ما يعني نقل آسيا برمتها من عصر إلى عصر جديد متطور تكون فيها كتلة متجانسة تشكل قلب العالم المستقبلي مزيحة أوروبا الغربية وأمريكا عن صدارة العالم وناقلة بؤرة الفعل الحضاري من الغرب إلى الشرق، ما يمكن فهمه أبعد من مجرد تنافس اقتصادي إلى تهديد وجودي، ولو على المدى البعيد، للسيادة الغربية.

الخرائط

لم توضح الصين خطوطاً برية وبحرية واضحة للمبادرة وذلك مرده إلى أنّ الخطوط تحدّدها نجاح عملية التفاوض مع الدول الشريكة، ولكنها أصدرت واحدة مؤخراً تعطي خطوطاً عامة للمبادرة، وهذا يفسر العدد الكبير من الخرائط التي نراها على الشبكة العنكبوتية، إذ أن الدول المدركة لأهمية المبادرة والمنخرطة فيها يزداد يوماً بعد يوم، وبناء عليه تتغير الخرائط بشكل مستمر، إذ ما على هذه الدول إلا أن تعلن انضمامها إلى بنك تنمية البنية التحتية الآسيوي، أو توقع أن من الاتفافيات الصينية الإقليمية، حتى تبدأ بتلقي القروض وتعمل على تطوير بنيتها التحتية وربطها البنى التحتية الإقليمية لتتصل في النهاية بشبكة الطرقات العالمية التي تديرها الصين.

الأهداف

تقدم ورقة الرؤية والأهداف التي طرحتها الحكومة الصينية عام 2015م أبعد من البنية التحتية، فتضم تنسيق السياسات الاقتصادية وتناغم المعايير التقنية في البنية التحتية، وإزالة العوائق أما الاستثمار والتجارة، وإنشاء مناطق تجارية حرة، والتعاون المالي وتعزيز العلاقات بين الشعوب، متضمنة التبادل الثقافي والأكاديمي والتعاون الشخصي، والشراكة الإعلامية، ومجال الشباب والمرأة، والمتطوعين، ويمكن الإشارة هنا إلى أهم هذه الأهداف الاقتصادية، ونتطرق إليها هنا دون إسهاب لأن ذلك سيطول، وهي كما يأتي:

  • خفض كلفة تصدير البضائع
  • خفض كلفة استيراد الطاقة والمواد الخام
  • تنويع طرق التجارة الدولية مما يعني مزيداً من الأمن لها في حالة الاضطرابات
  • تصريف فائض الانتاج الناجم عن الأزمة الاقتصادية
  • إخراج الصناعة الرخيصة إلى الدول المجاورة وتبني صناعات تقنية أكثر فائدة
  • خفض مستوى التلوث الناتج عن صناعة الحديد الصلب ونقله إلى الخارج
  • تعميم المعايير الصينية مما يعني بالتبعية الهيمنة على المشاريع ومعداتها
  • نقل الأموال المودعة في سندات الحكومة الأمريكية ووضعها في مشاريع أكثر ثباتاً وريعاً
  • تشغيل 250 مليون صيني ما زالوا يعملون في الزراعة
  • تمكين المناطق الداخلية بربطهم بالدول المجاورة
  • رفع المستوى المعيشي للمناطق الفقيرة الإنفصالية مما يدفعها للتمسك بوحدة الصين
  • توحيد النظم الضريبية والجمركية مع الجوار والشركاء ما يعني سهولة وسرعة التبادل التجاري
  • توحيد النظم المعلوماتية والإدراية ما يسهل ويسرّع التبادل التجاري ويخفض تكلفته

المراحل

أهم المراحل التي ستمر بها المشاريع التي تندرج تحت المبادرة والتي تم الإعلان عنها حتى اليوم، ست مراحل ونشير إليها دون تفصيل، وهي:

  1. الجسر القاري الأوراسي الجديد. (The New Eurasia Land Bridge Economic Corridor)
  2. ممر الصين منغوليا روسيا. (The China-Mongolia-Russia Economic Corridor)
  3. ممر الصين آسيا الوسطى غرب آسيا. (China-Central Asia-West Asia Economic Corridor)
  4. ممر الصين شبه الجزيرة الهندية. (China-Indochina Peninsula Economic Corridor)
  5. ممر الصين باكستان. (China-Pakistan Economic Corridor)
  6. ممر بنغلًاديش الصين الهند ميانمار. (Bangladesh-China-India-Myanmar Economic Corridor)